Blog

سخر من كُتبه وقال إنها لا تساوي جزرة… ثم عاد بعد سنوات ليقف مذهولًا أمامه

في أحد أزقة البصرة القديمة، كان شاب فقير يخرج كل يوم قبل شروق الشمس، يحمل بعض الأوراق والكتب القديمة تحت ذراعه، ويمشي مسرعًا بين الطرقات الضيقة وكأنه يطارد شيئًا لا يراه غيره.

ذلك الشاب كان الأصمعي.

لم يكن يملك مالًا، ولا بيتًا واسعًا، ولا ثيابًا فاخرة، لكنه كان يملك شيئًا واحدًا فقط:
شغفًا لا ينطفئ بالعلم.

كان يقضي نهاره بين مجالس الحديث واللغة والشعر، ثم يعود آخر الليل متعبًا وجائعًا، بينما الناس من حوله لا يفهمون لماذا يضيّع عمره في قراءة الكتب.

وكان أكثرهم سخرية منه رجل يجلس كل يوم على باب الزقاق…

بقّال بسيط لا يرى في العلم أي فائدة.

الرجل الذي كان يسخر منه كل يوم

كل صباح، كان البقّال يراه خارجًا من بيته مبكرًا، فيناديه ساخرًا:
إلى أين يا عبد الملك؟

فيجيبه الأصمعي:
إلى مجلس فلان المحدّث.

وفي المساء، عندما يعود مرهقًا، يسأله البقّال مرة أخرى:
ومن أين جئت؟

فيقول:
من عند فلان اللغوي… أو فلان الإخباري.

فيضحك البقّال بسخرية، ثم يقول:
يا هذا، اترك هذا الهراء وابحث عن عمل ينفعك.

ثم يشير إلى الكتب التي يحملها الأصمعي ويقول:
أعطني هذه الكتب لأحرقها لك، فوالله لو طلبتَ مني بجميع كتبك جزرة ما أعطيتك!

كانت الكلمات قاسية.

لكن الأصمعي كان يصبر ويسكت.

فهو يعلم أن الناس لا يرون المستقبل دائمًا، وأن طريق العلم في بدايته يكون مؤلمًا ووحيدًا.

سنوات من الفقر والجوع

مرت الأيام، وازدادت حياة الأصمعي صعوبة.

كان يخرج ليلًا حتى لا يقابل البقّال ويسمع سخريته من جديد.

ومع الوقت، بدأ الفقر يلتهم حياته شيئًا فشيئًا.

باع بعض ثيابه لينفق على نفسه.

ثم أصبح أحيانًا لا يجد ما يأكله طوال اليوم.

طال شعره، واهترأت ثيابه، وأصبح منظره يدل على شدة الفقر والتعب.

وفي بعض الليالي، كان يجلس وحده يتساءل:
هل أخطأت حين اخترت طريق العلم؟

لكن شيئًا داخله كان يمنعه من التراجع.

كان يشعر أن للعلم قيمة أكبر من المال نفسه.

الطارق الذي غيّر حياته بالكامل

وفي يوم، بينما كان الأصمعي غارقًا في التفكير في حاله، سمع طرقًا على الباب.

فتح الباب ببطء، فوجد خادمًا يقف أمامه.

قال له الخادم:
أجب الأمير محمد بن سليمان الهاشمي.

نظر الأصمعي إلى نفسه وإلى ثيابه البالية، ثم قال بحزن:
وما يصنع الأمير برجل بلغ به الفقر ما ترى؟

عاد الخادم إلى الأمير وأخبره بحاله.

وبعد قليل، عاد مرة أخرى، لكن هذه المرة لم يكن وحده.

كان يحمل معه ثيابًا جديدة، وطعامًا، وبخورًا، وكيسًا فيه ألف دينار.

ثم قال:
أمرني الأمير أن أُدخلك الحمّام، وألبسك هذه الثياب، وأطعمك، ثم آخذك إليه.

وقف الأصمعي مذهولًا.

قبل ساعات فقط كان لا يملك قوت يومه، والآن تغير كل شيء فجأة.

اللقاء الذي فتح له أبواب المجد

بعد أن اغتسل ولبس الثياب الجديدة، ذهب مع الخادم إلى مجلس الأمير محمد بن سليمان الهاشمي.

فلما دخل، قرّبه الأمير وأكرمه، ثم قال له:
يا عبد الملك، لقد سمعت عن علمك وأدبك، وقد اخترتك لتأديب ابن أمير المؤمنين.

كاد الأصمعي لا يصدق ما يسمعه.

فالشاب الذي كان الناس يسخرون من كتبه، أصبح الآن معلّمًا لابن الخليفة نفسه.

شكر الأمير، ثم عاد إلى بيته مسرعًا، وأخذ كتبه التي حافظ عليها رغم فقره الطويل.

كان يعرف أن تلك الكتب التي استهان بها الناس هي التي فتحت له أبواب العز.

الرحلة إلى بغداد

وصل الأصمعي إلى بغداد، المدينة التي كانت في ذلك الوقت قلب العلم والخلافة.

ثم دخل على هارون الرشيد.

نظر إليه الرشيد وقال:
أأنت عبد الملك الأصمعي؟

فقال:
نعم يا أمير المؤمنين.

ثم قال الرشيد كلمات لم ينساها الأصمعي أبدًا:
إن الولد مهجة قلب أبيه، وقد سلّمت إليك ابني أمانة، فلا تعلّمه ما يفسد دينه.

فأجاب الأصمعي:
السمع والطاعة.

ومنذ ذلك اليوم، بدأت حياته تتغير بالكامل.

من الفقر إلى القصور

أقام الأصمعي مع ابن الخليفة يعلّمه القرآن واللغة والشعر وأخبار العرب.

وكان الأمير الصغير يتعلم بسرعة، حتى أصبح من أكثر أبناء الخلفاء علمًا وأدبًا.

وفي يومٍ من الأيام، أراد هارون الرشيد أن يُصلّي ابنه بالناس يوم الجمعة.

فطلب من الأصمعي أن يختار له خطبة ويحفّظه إياها.

وبالفعل، خرج الأمير الصغير وصلّى بالناس فأُعجب الجميع بفصاحته وعلمه.

ومنذ ذلك اليوم، انهالت الهدايا والعطايا على الأصمعي من كل مكان.

الأموال…

والضياع…

والعقارات…

حتى أصبح بعد سنوات رجلًا غنيًا يملك دارًا كبيرة في البصرة.

كل ذلك بسبب العلم الذي سخر منه الناس يومًا.

قصة قد تعجبك: اتُّهمت ظلمًا ثم تكلّم طفلها أمام الناس | قصة مريم عليها السلام

العودة إلى البصرة

بعد سنوات طويلة، عاد الأصمعي إلى البصرة بعدما أصبح اسمه معروفًا في كل مكان.

خرج الناس لاستقباله والترحيب به، فقد وصلت أخبار مكانته وعلمه إلى الجميع.

وبين الحشود، لمح رجلًا يعرفه جيدًا.

كان البقّال.

لكن مظهره لم يتغير كثيرًا، ما زال بثيابه القديمة وعمامته البسيطة.

فلما رأى الأصمعي، صاح من بعيد:
عبد الملك!

ضحك الأصمعي في نفسه.

تذكر سنوات الفقر والسخرية والكلمات القاسية التي كان يسمعها كل يوم.

ثم اقترب منه وقال بابتسامة هادئة:

“يا هذا… لقد جاءتني كتبي بما هو خير من الجزرة.”

الدرس الذي أخفته القصة

لم تكن قصة الأصمعي مجرد حكاية عن رجل فقير أصبح غنيًا.

بل كانت رسالة عظيمة لكل من يسخر من الأحلام أو يقلّل من قيمة العلم.

فكثير من الناس يحكمون على الأشياء بظاهرها فقط.

يرون التعب ولا يرون النهاية.

ويرون الفقر المؤقت، لكنهم لا يرون المستقبل الذي قد يصنعه الصبر.

لقد عاش الأصمعي سنوات من الجوع والتعب والسخرية، لكنه تمسّك بالعلم حتى غيّر الله حياته بالكامل.

ولهذا، بقيت قصته تُروى عبر القرون، لتقول لكل إنسان يسير في طريق صعب:

لا تحتقر ما تتعلمه اليوم… فقد يكون سبب عزّك غدًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
انضم إلى التيليجرام لكل جديد