خرج يطارد النبي طمعًا في 100 ناقة | فعاد يحمل وعدًا من السماء، قصة سراقة بن مالك كاملة
كانت مكة تعيش أيامًا مضطربة.
فقد وصلت دعوة محمد إلى مرحلة لم تعد قريش قادرة على تحملها.
سنوات طويلة من الدعوة والصبر، قابلها المشركون بالتكذيب والسخرية والحصار والتعذيب، لكن الإسلام كان ينتشر رغم كل شيء.
ثم جاءت اللحظة التي قرر فيها النبي ﷺ الهجرة إلى المدينة.
وهنا شعرت قريش بالخطر الحقيقي.
فلو وصل محمد ﷺ إلى المدينة، فستقوم للمسلمين دولة قوية يصعب إيقافها.
ولهذا، اجتمع زعماء قريش بسرعة، وبدأوا يبحثون عن أي طريقة تمنع خروجه.
لكن النبي ﷺ كان قد خرج بالفعل، بصحبة أبو بكر الصديق، يسيران في طريق الهجرة وسط الصحراء.
الجائزة التي حرّكت الطامعين
حين علمت قريش بهروب النبي ﷺ، أعلنت جائزة ضخمة هزّت مكة كلها:
مائة ناقة…
لمن يأتي بمحمد ﷺ حيًا أو ميتًا.
وفي ذلك الزمن، كانت مائة ناقة تعني ثروة هائلة قادرة على تغيير حياة أي إنسان.
وكان من بين الذين سمعوا بالخبر رجل يُدعى سراقة بن مالك.
لم يكن غنيًا ولا صاحب جاه، لكنه كان فارسًا قويًا معروفًا بالشجاعة والقدرة على اقتفاء الأثر.
وحين سمع بالجائزة، اشتعل الطمع في قلبه.
تخيّل نفسه وقد أصبح من أغنياء العرب بعدما كان يعيش حياة بسيطة.
وقال في نفسه:
هذه فرصتي التي لن تتكرر.
الخدعة التي فعلها سراقة
في مجلس قومه، دخل رجل يخبر الناس أنه رأى أشخاصًا يسيرون في الصحراء ويظن أنهم محمد وصاحبه.
لكن سراقة لم يُظهر اهتمامه.
بل قال بهدوء حتى يبعد الناس عن الطريق:
لا… ليسوا هم، لعلهم قوم آخرون.
كان يريد أن ينفرد بالجائزة وحده.
انتظر قليلًا حتى هدأ المجلس، ثم خرج سرًا إلى بيته، وأمر جاريته أن تُخرج فرسه من خلف البيوت حتى لا يراه أحد.
ثم أخذ سلاحه، وامتطى فرسه، وانطلق عبر الصحراء بسرعة كبيرة.
كان قلبه ممتلئًا بالحماس والطمع.
ولم يكن يعلم أن رحلته تلك ستغيّر حياته إلى الأبد.
في الطريق إلى النبي ﷺ
في تلك الأثناء، كان محمد يمضي هادئًا مطمئنًا، بينما كان أبو بكر الصديق يلتفت خلفه خوفًا على رسول الله ﷺ.
وفجأة لمح رجلًا يقترب بسرعة وسط الغبار.
تأمل جيدًا، ثم قال بقلق:
يا رسول الله، هذا سراقة بن مالك قد لحق بنا.
لكن النبي ﷺ لم يخف.
ولم يلتفت حتى وراءه.
بل قال في هدوء الواثق بربه:
“لا تحزن، إن الله معنا.”
كانت كلمات مليئة باليقين، وكأن النبي ﷺ يرى حماية الله أمامه بوضوح.
المعجزة الأولى
اقترب سراقة بن مالك أكثر، حتى ظن أنه أوشك أن يصل إليهما.
لكن فجأة…
غاصت قدما فرسه في الرمال بقوة، فسقط سراقة أرضًا.
وقف متعجبًا.
ثم أمسك بفرسه وأخرجه من الرمال بصعوبة.
نظر حوله في دهشة، لكنه ظن أن ما حدث مجرد تعثر عادي.
فركب مرة أخرى، وأكمل المطاردة.
السقوط الثاني
عاد سراقة يندفع خلف النبي ﷺ بسرعة أكبر.
وكان الغبار يتطاير خلفه وهو يقترب أكثر فأكثر.
لكن ما إن اقترب مرة ثانية، حتى ساخت قوائم الفرس في الرمال من جديد.
وسقط سراقة مرة أخرى.
هذه المرة بدأ الخوف يدخل قلبه.
فهو فارس خبير بالصحراء، وفرسه قوية، ومع ذلك يحدث الأمر نفسه كلما اقترب من النبي ﷺ.
لكن الطمع ما زال يسيطر عليه.
فقرر المحاولة الأخيرة.
اللحظة التي تغيّر فيها قلب سراقة
أمسك سراقة بزمام فرسه، ثم اندفع بكل قوته نحو النبي ﷺ.
لكن قبل أن يصل بلحظات، غاصت قوائم الفرس في الرمال حتى الركبتين، وارتفع غبار كثيف من حوله.
توقف سراقة فجأة.
وشعر أن ما يحدث ليس طبيعيًا أبدًا.
أدرك أن الرجل الذي يطارده محفوظ بعناية من السماء.
وأن الله يحميه.
في تلك اللحظة، تبدّل شيء داخل قلبه.
واختفى الطمع الذي جاء به.
ثم نادى بأعلى صوته:
يا محمد… أعطني الأمان!
الرحمة التي لم يتوقعها سراقة
التفت محمد إلى الرجل الذي خرج قبل قليل يريد قتله مقابل المال.
ومع ذلك، لم يغضب منه.
ولم يدعُ عليه.
بل أعطاه الأمان.
ثم دعا الله، فانطلقت قوائم الفرس من الرمال وكأن شيئًا لم يكن.
وقف سراقة مذهولًا.
لقد رأى بعينيه معجزة واضحة.
وشعر أن قلبه بدأ يميل إلى هذا الدين الذي حاربوه سنوات طويلة.
قصة قد تعجبك: حين وصف جبريل للنبي ﷺ النار… بكى الرسول خوفًا على أمته
الوعد الذي بدا مستحيلًا
ثم حدث الأمر الأعجب.
نظر النبي ﷺ إلى سراقة وقال له:
“يا سراقة، كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟”
تجمّد سراقة من الدهشة.
سواري كسرى؟!
ملك فارس العظيم؟
كانت فارس وقتها أقوى إمبراطورية في العالم تقريبًا.
وكسرى يملك الذهب والجيوش والقصور التي تخشاها الممالك.
فكيف لرجل فقير خرج يطارد النبي في الصحراء أن يلبس حليّ كسرى نفسه؟
كان الأمر يبدو مستحيلًا تمامًا.
لكن النبي ﷺ قالها بثقة كاملة.
لأنه كان يعلم أن وعد الله حق.
سراقة يعود من الطريق إنسانًا آخر
عاد سراقة بن مالك من طريق المطاردة مختلفًا تمامًا.
فقد خرج يريد المال، لكنه عاد يحمل الإيمان في قلبه.
ولم يكتفِ بذلك، بل صار يضلل الناس الذين يبحثون عن النبي ﷺ حتى لا يصلوا إليه.
ثم أعلن إسلامه بعد ذلك، وصار من المسلمين الصادقين.
وتحوّل الرجل الذي خرج يطارد النبي إلى رجل يدافع عن الإسلام ويدعو إليه.
السنوات التي مرّت سريعًا
مرت الأعوام، وانتشر الإسلام في الجزيرة كلها.
ثم توفي محمد بعدما أتم رسالته.
وجاءت خلافة عمر بن الخطاب، وبدأت الفتوحات الكبرى.
وفي أيام عمر، فتح الله على المسلمين بلاد فارس نفسها.
وسقط ملك كسرى الذي كانت العرب تهابه.
وحُملت كنوزه وقصوره وذهبه إلى المدينة المنورة.
وكان من بين الغنائم شيء لفت انتباه عمر فورًا:
سواري كسرى.
تحقق الوعد بعد سنوات
نظر عمر بن الخطاب إلى السوارين، ثم تذكّر كلمات النبي ﷺ يوم الهجرة.
فقال:
أين سراقة بن مالك؟
فجاء سراقة، وكان شيخًا كبيرًا تجاوز الثمانين، يتكئ على ولديه.
فأخذ عمر سواري كسرى، وألبسه إياهما أمام الناس.
ثم قال:
“الحمد لله الذي نزع هذا من كسرى بن هرمز، وألبسه سراقة بن مالك الأعرابي.”
وقف سراقة والدموع في عينيه.
وتذكّر ذلك اليوم في الصحراء…
حين خرج طمعًا في مائة ناقة، فإذا بالله يحقق له وعدًا أعظم بكثير.
الدرس الذي بقي خالدًا
لم تكن قصة سراقة مجرد مطاردة في الصحراء.
بل كانت دليلًا عظيمًا على صدق نبوة محمد.
ففي الوقت الذي كان فيه مطاردًا لا يملك جيشًا ولا دولة، كان يتحدث بثقة عن سقوط أعظم إمبراطورية في زمانه.
وكانت القصة أيضًا دليلًا على أن القلوب قد تتغير في لحظة.
فالرجل الذي خرج يريد قتل النبي ﷺ، عاد مؤمنًا به ومدافعًا عنه.
وهكذا، بقيت قصة سراقة شاهدًا خالدًا على أن الله إذا حفظ عبدًا، فلن يضره أهل الأرض جميعًا.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ﷺ.




