خرج ليقتل النبي مقابل مائة ناقة | ثم ألبسه عمر سواري كسرى، قصة سراقة بن مالك كاملة
كانت مكة تغلي غضبًا.
فقد خرج منها الرجل الذي أرادت قريش إيقافه بكل الطرق.
خرج محمد مهاجرًا إلى المدينة بعد سنوات طويلة من الأذى والتكذيب والحصار، وبعد أن ضاقت عليه مكة بمن فيها.
لكن قريش لم تكن مستعدة أن تتركه يرحل بسلام.
ولهذا، أعلنت في الناس جائزة ضخمة لم تكن سهلة في ذلك الزمان:
مائة ناقة…
لمن يأتي بمحمد ﷺ حيًا أو ميتًا.
وكان هذا المبلغ كفيلًا بأن يغيّر حياة أي رجل فقير في الصحراء.
ومن بين الذين سمعوا بذلك، كان هناك رجل اسمه سراقة بن مالك.
قصة قد تعجبك: حين وصف جبريل للنبي ﷺ النار… بكى الرسول خوفًا على أمته
الفرصة التي ظنها سراقة بداية ثروته
كان سراقة فارسًا قويًا، معروفًا بالشجاعة والقدرة على اقتفاء الأثر.
لكنه لم يكن غنيًا.
وحين سمع بأمر الجائزة، شعر أن الفرصة التي انتظرها طويلًا قد جاءت أخيرًا.
تخيّل فقط…
مائة ناقة دفعة واحدة.
ثروة قادرة على تحويل حياته بالكامل.
ولهذا، بدأ يراقب الأخبار ويتابع الطرق، لعل أحدًا يخبره بمكان النبي ﷺ.
وفي يوم، جاء رجل إلى مجلس قومه وقال إنه رأى أشخاصًا يسيرون في الصحراء يظن أنهم محمد وصاحبه.
لكن سراقة لم يُظهر اهتمامه، حتى لا يسبقه أحد إليهما.
فقال بهدوء:
لا… ليسوا هم، لعلهم فلان وفلان.
ثم انتظر قليلًا، ونهض وحده في صمت.
دخل بيته سريعًا، وأخذ سلاحه، ثم امتطى فرسه وانطلق عبر الصحراء.
كان قلبه ممتلئًا بالطمع في الجائزة، ولم يكن يعلم أن رحلته ستغيّر حياته كلها.
المطاردة في قلب الصحراء
في ذلك الوقت، كان محمد يسير مع أبو بكر الصديق في طريق الهجرة.
وكان أبو بكر كثير الالتفات خوفًا على النبي ﷺ.
فجأة لمح رجلًا يقترب بسرعة فوق فرسه.
نظر جيدًا ثم قال بقلق:
يا رسول الله… هذا سراقة بن مالك قد لحق بنا.
لكن النبي ﷺ لم يضطرب.
ولم يلتفت حتى خلفه.
بل قال بهدوء الواثق بربه:
“لا تحزن… إن الله معنا.”
كانت كلمات تخرج من قلب ممتلئ باليقين.
المعجزة الأولى
اقترب سراقة بن مالك أكثر فأكثر.
وكان يظن أن لحظات قليلة فقط تفصله عن الجائزة الكبرى.
لكن فجأة…
غاصت قدما فرسه في الرمال بقوة، فسقط سراقة أرضًا.
وقف مذهولًا.
ثم أمسك بفرسه وأخرجه بصعوبة.
وظن أن الأمر مجرد عثرة عابرة.
فركب مرة أخرى، وأعاد المطاردة.
السقوط الثاني
عاد سراقة يندفع بسرعة خلف النبي ﷺ وصاحبه.
وكان يقترب بالفعل.
لكن قبل أن يصل إليهما، ساخت قوائم الفرس مرة أخرى بطريقة أعنف من الأولى.
فسقط سراقة من جديد.
وقف هذه المرة وهو يشعر بشيء غريب.
فالصحراء كانت مستقرة، وفرسه قوية، ومع ذلك تتكرر الحادثة كلما اقترب.
لكن الطمع كان لا يزال يغلب على قلبه.
فقرر المحاولة للمرة الثالثة.
اللحظة التي تغيّر فيها كل شيء
أمسك سراقة بزمام فرسه، ثم انطلق مرة أخرى بكل قوته.
وكان الغبار يتطاير خلفه وهو يقترب من النبي ﷺ.
وفجأة…
غاصت قوائم الفرس في الرمال حتى الركبتين، وارتفع غبار كثيف حوله.
توقف سراقة هذه المرة تمامًا.
وشعر أن الأمر ليس طبيعيًا.
أدرك أن الرجل الذي يطارده ليس رجلًا عاديًا.
وأن هناك عناية من السماء تحميه.
في تلك اللحظة، تغيّر شيء داخل قلبه.
فصرخ بأعلى صوته:
يا محمد… أعطني الأمان!
النبي ﷺ الذي قابل العداوة بالرحمة
عندها فقط التفت محمد إلى سراقة.
الرجل الذي خرج قبل دقائق يريد قتله مقابل المال.
ومع ذلك، لم يدعُ عليه.
ولم يأمر بقتاله.
بل أعطاه الأمان.
ثم دعا الله، فانطلقت قوائم الفرس من الرمال وكأن شيئًا لم يكن.
وقف سراقة ينظر بدهشة.
لقد رأى بعينيه أن الله يحفظ نبيه ﷺ.
وشعر أن قلبه بدأ يميل إلى هذا الدين الذي يحاربونه.
الوعد الذي بدا مستحيلًا
ثم حدث أمر أعجب من كل ما سبق.
نظر النبي ﷺ إلى سراقة وقال له:
“يا سراقة… كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟”
تجمّد سراقة من الدهشة.
سواري كسرى؟!
ملك فارس العظيم؟
كانت فارس في ذلك الوقت أعظم قوة على الأرض تقريبًا.
وكسرى يملك الذهب والجيوش والقصور.
فكيف لرجل فقير يطارد النبي في الصحراء أن يلبس حُليّ كسرى نفسه؟
كان الأمر يبدو مستحيلًا تمامًا.
لكن النبي ﷺ لم يكن يتكلم من فراغ.
بل كان واثقًا بوعد الله.
الرجل الذي عاد بقلب جديد
بعد تلك اللحظات، لم يعد سراقة بن مالك كما كان.
فقد دخل الإيمان قلبه.
وعاد من طريق المطاردة إنسانًا مختلفًا.
بل إنه بدأ يضلل الناس الذين يبحثون عن النبي ﷺ، حتى لا يصلوا إليه.
ثم أسلم بعد ذلك، وصار من المسلمين الصادقين.
وتحوّل الرجل الذي خرج طمعًا في المال إلى داعية يدعو الناس إلى الإسلام.
السنوات التي مرّت بعد الهجرة
مرت الأعوام سريعًا.
وانتشرت دعوة الإسلام في الجزيرة كلها.
ثم توفي محمد بعدما أكمل رسالته.
وجاءت خلافة عمر بن الخطاب، وبدأت الفتوحات الكبرى.
وفي يوم من الأيام، سقطت إمبراطورية فارس نفسها.
ودخل المسلمون قصور كسرى.
وحُملت كنوزه العظيمة إلى المدينة.
وكان من بين الغنائم شيء لفت انتباه عمر فورًا:
سواري كسرى.
اللحظة التي تذكّر فيها عمر وعد النبي ﷺ
نظر عمر بن الخطاب إلى السوارين طويلًا.
ثم ابتسم وقال:
أين سراقة بن مالك؟
فجاء سراقة، وكان شيخًا كبيرًا قد تقدّم به العمر.
يتكئ على ولديه وهو يسير.
نظر إليه عمر، ثم أخذ سواري كسرى وألبسه إياهما أمام الناس.
ثم قال بصوت تأثر به الجميع:
الحمد لله الذي نزع هذا من كسرى بن هرمز، وألبسه سراقة بن مالك الأعرابي.
وقف سراقة والدموع في عينيه.
وتذكّر ذلك اليوم في الصحراء…
حين خرج يريد قتل النبي ﷺ طمعًا في المال.
فإذا بالنبي يبشره يومها بأمر تحقّق بعد سنوات طويلة كما قال تمامًا.
لماذا بقيت هذه القصة حيّة حتى اليوم؟
لأنها ليست مجرد قصة مطاردة في الصحراء.
بل قصة يقين عظيم.
ففي اللحظة التي كان فيها النبي ﷺ مطاردًا لا يملك جيشًا ولا دولة، كان يتحدث بثقة عن سقوط أعظم إمبراطورية في زمانه.
وكان ذلك درسًا لكل مؤمن:
أن وعد الله لا يتغير، حتى لو بدا مستحيلًا في أعين الناس.
النهاية التي غيّرت قلب سراقة
خرج سراقة بن مالك من بيته يومًا يبحث عن المال والشهرة.
لكنه عاد يحمل شيئًا أعظم بكثير:
الإيمان.
ولهذا، بقي اسمه مرتبطًا بواحدة من أعظم لحظات الهجرة النبوية.
لحظة أثبتت أن الله إذا حفظ عبدًا، فلن يقدر عليه أهل الأرض جميعًا.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ﷺ.




