Blog

اتُّهمت ظلمًا ثم تكلّم طفلها أمام الناس | قصة مريم عليها السلام

في ليلةٍ هادئة داخل بيت المقدس، كانت فتاة صغيرة تقف وحدها تصلي بخشوعٍ عجيب، لا يشغل قلبها شيء من الدنيا، ولا تفكر إلا في عبادة الله.

لم يكن أحد يتوقع أن تلك الفتاة ستصبح بعد سنوات واحدة من أعظم النساء في تاريخ البشرية، وأن الله سيجعل قصتها تُتلى إلى يوم القيامة.

إنها مريم بنت عمران.

المرأة التي اتُّهمت ظلمًا، وبكت وحيدة، ثم وقفت أمام قومها تحمل طفلًا رضيعًا، بينما الجميع ينظر إليها في صدمة.

لكن المفاجأة التي غيّرت كل شيء، كانت عندما تكلّم ذلك الطفل فجأة أمام الناس.

قصه قد تعجبك: سألوه: لماذا يدفعك أبوك إلى الموت دون الحسن والحسين؟ فجاء ردّ محمد بن الحنفية الذي أذهل الجميع

امرأة صالحة دعت الله من قلبها

في ذلك الزمان، كانت امرأة عمران تعيش في بيتٍ مليء بالإيمان والطاعة، وكانت تتمنى أن يرزقها الله ولدًا تهبه لخدمة بيت المقدس.

وفي يومٍ من الأيام، رفعت يديها إلى السماء وقالت:

﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
سورة آل عمران، الآية 35.

كانت تتوقع أن تلد غلامًا يخدم بيت المقدس، لكن عندما وضعت مولودها، فوجئت بأنها فتاة.

وقالت بحيرة:

﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى﴾
سورة آل عمران، الآية 36.

ثم سمّتها:
مريم.

ولم تكن تعلم أن ابنتها ستكون أعظم من كثيرٍ من الرجال.

طفلة اختارها الله من بين نساء العالم

كبرت مريم بنت عمران في بيت العبادة والطاعة، وكان الناس يرون فيها الطهر والهدوء منذ صغرها.

وعندما اختلف الصالحون فيمن يتكفل بتربيتها، ألقى كل واحدٍ منهم قلمه في النهر، فجرى كل قلمٍ مع الماء، إلا قلم زكريا، فقد سار عكس التيار.

فعلموا أن الله اختاره ليكفلها.

نشأت مريم داخل بيت المقدس، بعيدة عن صخب الدنيا، تقضي وقتها في العبادة والصلاة، حتى أصبحت مثالًا للعفة والطهارة.

وكان زكريا يدخل عليها فيجد عندها رزقًا لم يأتِ به أحد.

ففي الشتاء يجد فاكهة الصيف، وفي الصيف يجد فاكهة الشتاء.

فيسألها متعجبًا:

﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾

فتجيبه بهدوء:
﴿هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
سورة آل عمران، الآية 37.

اللحظة التي غيّرت حياتها كلها

ومع مرور الأيام، ازدادت عبادة مريم وزهدها في الدنيا، حتى اختارت مكانًا بعيدًا عن الناس تتفرغ فيه لعبادة الله.

وفي يومٍ لم يكن كأي يوم، حدث أمر لم تتخيله أبدًا.

فجأة، رأت رجلًا غريبًا أمامها.

ارتجف قلبها، وتراجعت للخلف وهي تقول:

﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾
سورة مريم، الآية 18.

لكن الرجل لم يكن بشرًا.

لقد كان جبريل، أرسله الله إليها في صورة إنسان.

ثم قال لها الكلمات التي غيّرت حياتها للأبد:

﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾
سورة مريم، الآية 19.

وقفت مريم في صدمة.

كيف يكون لها ولد وهي لم تتزوج؟

فقالت:
﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾
سورة مريم، الآية 20.

لكن الله أراد أن يجعل منها آية للعالمين.

الحمل الذي أخفته عن الناس

بأمر الله، حملت مريم بنت عمران بعيسى عليه السلام.

ومع مرور الأيام، بدأت تخاف من كلام الناس ونظراتهم، فهي تعلم أن أحدًا لن يصدق ما حدث.

فابتعدت عن الناس تمامًا، واختارت مكانًا بعيدًا تعيش فيه وحدها.

كانت تمر الليالي عليها وهي تفكر:
كيف ستواجه قومها؟
وماذا سيقول الناس عنها؟

لكن الابتلاء الحقيقي لم يكن قد بدأ بعد.

لحظة الولادة تحت جذع النخلة

اشتد عليها الألم وهي وحيدة لا تجد أحدًا يساعدها، حتى جلست تحت جذع نخلة تبكي من شدة التعب والخوف.

وفي لحظة ضعفٍ شديدة قالت:

﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾
سورة مريم، الآية 23.

لكن رحمة الله لم تتركها وحدها.

فناداها من تحتها:
﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾

ثم أمرها الله أن تهز جذع النخلة:

﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾
سورة مريم، الآية 25.

ورغم ضعفها، هزّت الجذع.

وهنا كان الدرس العظيم:
أن الإنسان يأخذ بالأسباب حتى في أصعب اللحظات.

الصدمة الكبرى عندما عادت إلى قومها

بعد الولادة، حملت طفلها وعادت به إلى قومها.

وما إن رأوها حتى بدأت الاتهامات تنهال عليها.

قالوا لها:

﴿يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾
سورة مريم، الآية 27.

كان الجميع ينتظر منها أن تدافع عن نفسها.

لكنها لم تتكلم.

فقط أشارت إلى الطفل.

فازداد غضب الناس وقالوا:

﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾
سورة مريم، الآية 29.

وفي تلك اللحظة… حدثت المعجزة.

الطفل الذي تكلّم في المهد

فجأة، تكلّم الطفل الرضيع أمام الجميع وقال:

﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾
سورة مريم، الآية 30.

ساد الصمت.

وقف الناس في ذهول وهم يسمعون طفلًا رضيعًا يتحدث بهذه الكلمات.

وهكذا برّأ الله مريم بنت عمران أمام قومها، وجعل قصتها واحدة من أعظم قصص الإيمان والصبر والطهارة في التاريخ.

النهاية التي خلدها القرآن

عاشت السيدة مريم بنت عمران حياتها طاهرة عابدة صابرة، حتى أصبحت مثالًا لكل امرأة مؤمنة.

وقد رفع الله قدرها في القرآن، وجعل لها سورة كاملة باسمها، ووصفها بأنها من القانتين والصديقين.

وقال النبي ﷺ:

«كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ…»
رواه البخاري ومسلم.

وهكذا بقي اسم مريم عليها السلام خالدًا عبر القرون، ليس لأنها أم نبي فقط، بل لأنها كانت رمزًا للطهر والصبر والإيمان الحقيقي بالله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
انضم إلى التيليجرام لكل جديد