ظنّت عائشة أن عبد الرحمن بن عوف احتكر الطعام وقت المجاعة … ثم اكتشفت الحقيقة التي أبكت أهل المدينة
في عامٍ لم تنسه المدينة أبدًا، جفّت الأرض، واختفى الطعام، ونام الأطفال وهم يبكون من شدة الجوع.
كان ذلك هو “عام الرمادة”، العام الذي تحولت فيه المدينة إلى أرضٍ يغطيها الغبار والجوع والخوف، حتى تغيّر لون السماء من شدة القحط، وأصبح الناس يبحثون عن أي لقمة تسد رمقهم.
وفي ذلك الوقت، كانت عائشة بنت أبي بكر تعيش مثل بقية أهل المدينة، ترى الجوع في وجوه الناس كل يوم، ولم يكن في بيتها إلا تمرات قليلة.
وفي ظهيرة يومٍ شديد الحر، جلست تستريح قليلًا بعد تعب طويل، بينما المدينة كلها تغلي من الجوع والانتظار.
لكن فجأة…
استيقظت على أصوات مرتفعة وضجيجٍ لم تسمع مثله منذ شهور.
قصة قد تعجبك: اتُّهمت ظلمًا ثم تكلّم طفلها أمام الناس | قصة مريم عليها السلام
الجلبة التي هزّت المدينة كلها
فتحت عائشة بنت أبي بكر عينيها على أصوات الناس في الخارج، وكان الهرج يزداد لحظة بعد أخرى.
نظرت من بعيد فرأت السماء تميل إلى اللون الأحمر بسبب الغبار الكثيف، وكأن شيئًا ضخمًا دخل المدينة.
فنادَت جاريتها بسرعة وقالت:
اذهبي وانظري ما الذي يحدث، ثم عودي إليّ بسرعة.
خرجت الجارية مسرعة، بينما بقيت عائشة تنتظر الخبر بقلق.
وبعد لحظات، عادت الجارية وهي تلهث من شدة السرعة، ثم قالت:
لقد وصلت قافلة ضخمة إلى المدينة… قافلة لعبد الرحمن بن عوف.
توقفت عائشة لحظة.
ثم سألتها:
وما الذي فيها؟
قالت الجارية:
سبعمائة بعير محمّلة بالطعام والسمن والزيت والكساء والبضائع.
ساد الصمت للحظات.
فالمدينة كلها كانت تعيش المجاعة، وأي طعام يدخلها في ذلك الوقت كان يعني النجاة لآلاف الناس.
لكن ما قالته الجارية بعد ذلك هو ما أثار غضب عائشة.
“التجار يدفعون أضعاف السعر… وهو يرفض البيع!”
قالت الجارية:
التجار يلتفون حول القافلة، يعرضون على عبد الرحمن بن عوف أضعاف ثمن البضاعة، لكنه يرفض البيع.
تغير وجه عائشة رضي الله عنها.
فقد كانت ترى الناس جائعين، والأطفال يبكون، والمدينة كلها تعاني، فكيف يرفض البيع في مثل هذا الوقت؟
وقالت بغضب:
لقد فسد أصحاب محمد ﷺ بعد محمد ﷺ!
ثم قالت:
والله لئن رأيته لأعاتبنّه على ما يفعل.
كانت تظن أن عبد الرحمن بن عوف ينتظر سعرًا أعلى، أو يريد مضاعفة أرباحه بينما الناس يموتون جوعًا.
لكن الحقيقة كانت شيئًا آخر تمامًا.
الرجل الذي جاء بنفسه إلى بيت عائشة
لم تمضِ فترة طويلة، حتى طُرق باب بيت عائشة بنت أبي بكر.
فقالت الجارية:
إن عبد الرحمن بن عوف بالباب يريد مقابلتك.
فقالت عائشة في نفسها:
لقد جاء بنفسه… والله لأقرّعنّه.
اقتربت من الباب، وكان بينهما حجاب، ثم قالت:
نعم يا ابن عوف.
فقال بهدوء:
إن هؤلاء القوم يعرضون عليّ في البضاعة خمسة أضعاف ثمنها… وأنا لا أبيع.
كدت عائشة أن تقاطعه لتعاتبه، لكنه أكمل كلامه سريعًا وقال:
أتسمعينني يا أم المؤمنين؟
قالت:
نعم.
فقال:
قلت لهم إن هناك من يدفع لي أكثر منهم.
تعجبت عائشة وسكتت تنتظر بقية الكلام.
ثم قال:
إن الله وعد الحسنة بعشر أمثالها، وأنا أريد من يضاعف لي أكثر من تجارتهم.
ثم تابع:
لقد أخبرت عمر بن الخطاب أن يوزع القافلة كلها على أهل المدينة، وأشهدت الله على أن الطعام والبضائع والإبل كلها صدقة لله.
ساد الصمت.
شعرت عائشة بالخجل الشديد من نفسها.
فقد ظنّت برجلٍ من أصحاب رسول الله ﷺ ظنًا لم يكن يليق به.
الليلة التي لم ينم فيها أحد جائعًا
تقول عائشة بنت أبي بكر إنها خرجت بعد ذلك لترى ما يحدث بنفسها.
فرأت علي بن أبي طالب وعددًا من الصحابة يقفون بين القافلة، يفرغون الطعام ويوزعونه على الناس.
كانت الأكياس تُحمل إلى البيوت، والطعام يُقسم بين الفقراء والمحتاجين، بينما الإبل تقف فارغة بعدما أُنزِلت عنها الأحمال كلها.
ثم سمعت عبد الرحمن بن عوف يقول لـ عمر بن الخطاب:
وما لي وهذه الإبل؟ اجعلها في إبل الصدقة.
لم يتصدق بالطعام فقط…
بل تصدق بالقافلة كلها.
وفي تلك الليلة، حدث أمر لم يحدث منذ شهور طويلة.
فقد نام أهل المدينة شبعى.
وقالت عائشة رضي الله عنها:
“فوالله ما بات في المدينة جائع تلك الليلة.”
تجارة مع الله لا تخسر أبدًا
لم يكن عبد الرحمن بن عوف مجرد تاجر غني.
بل كان رجلًا فهم معنى التجارة الحقيقية.
فبينما كان الناس ينتظرون منه أن يبيع الطعام بأغلى الأسعار، كان هو يفكر في تجارةٍ أكبر، تجارةٍ لا تنتهي أرباحها عند الدنيا.
وقد قال الله تعالى:
﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ﴾
سورة البقرة، الآية 261.




